العرفان 3


وارث ميرزاده

ذكرت في المنشورات السابقة أن العرفان أو التصوف (1) هو نزعة إنسانية لا علاقة لها بالأديان، وأن هذه النزعة موجودة عند الجميع ومنهم أهل الإسلام، ودللّت على ذلك ببعض الشواهد. ثم بيّنت أن أهل السنّة أسبق في هذا المضمار من الإماميّة في النشأة والتقنين حتى صار التصوف عندهم طريقة لها طقوسها واصطلاحاتها الخاصة.

يشير السيد محمد حسين الطباطبائي إلى ذلك أيضاً فيقول: وليس التصوّف ممّا أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما أنه يوجد بين الأمم التي تتقدّمهم في النشوء كالنصارى وغيرهم حتى الوثنيّة من البراهمة والبوذيّة، ففيهم من يسلك الطريقة حتى اليوم بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم. (2)

ونحن الآن عندما نتكلّم عن العرفان أو التصوف سنتكلّم عنه بعنوانه (مدرسة) و (طريقة) لا بعنوانه نزعة فطريّة نحو الكمال بالشكل الذي بينّاه فيما سبق من المنشورات. وهذه نقطة مهمة ينبغي أن تأخذوها بعين الإعتبار فيما يأتي من الكلام عن العرفان.

حالياً عندنا مدرستان، مدرسة منتشرة بشكل كبير وقوي وهي مدرسة الشيخ حسين قلي الهمداني، وهذه هي المنشرة الآن. وهناك مدرسة أخرى تنتمي إلى القاضي سعيد القمي، وهذه المدرسة ليس لها ذلك الأنتشار الواسع، والقاضي سعيد من تلامذة الفيض الكاشاني صاحب كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء (3) وللقاضي سعيد سلسلة من التلامذة تمتد إلى أن تصل إلى الشاه آبادي الذي هو أستاذ السيد الخميني (4) في هذه الطريقة.

نشأت مدرسة الشيخ حسين قلي الهمداني سنة 1250هـ يعني قبل 189 سنة، يذكر السيد محمد حسين الطهراني قصة نشوء هذه المدرسة، وأن بداياتها من مدينة شوشتر الإيرانيّة على يد السيد علي الشوشتري من خلال أتصاله برجل نسّاج غير معروف هل هو من الجن أم من الإنس؟!
يقول الطهراني عن لسان العلّامة الطباطبائي: فقبل أكثر من مئة سنة كان يعيش في شوشتر عالم جليل القدر وكان هذا العالم مرجعا للناس في القضاء والأمور العامة ويدعى السيد علي الشوشتري، في أحد الأيام طرق بابه شخص وهو يقول لي معك حاجة، عندما فتح السيد بابه رأى نسّاجاً فقال له ماذا تريد؟ فأجاب النسّاج بأن الحكم الفلاني الذي حكمت به طبق دعوى الشهود بملكيّة فلان للملك الفلاني غير صحيح وذلك الملك لطفل يتيم وسنده مدفون في المحل الفلاني فما قمت به ليس صحيحاً وليس هذا النهج نهجك، فيجيبه آية الله الشوشتري: أوقعتُ في خطأ؟ فيجيبه النسّاج: الكلام هو ما قلته، ثم أنصرف. ففكر السيد الشوشتري طويلاً وتسائل عمن يكون هذا الرجل وماذا قال، ثم يقوم بالتحقيق ويتبيّن له أن سند ملكية الطفل مدفون في ذلك المكان، وأن الشهود على ملكية فلان شهود زور، فانتابه شعور بالخوف وقال في نفسه: ربما كان الكثير من الأحكام التي أصدرتها من هذا القبيل، فأخذه الاضطراب والخوف وفي الليلة التالية وفي نفس الوقت يطرق النسّاج الباب من جديد ويقول له: يا سيد ليس الطريق ما تسير عليه، وفي الليلة الثالثة تتكرر هذه الواقعة بنفس الكيفية ويقول له النسّاج لا تتأخر أجمع الأثاث وبع البيت فوراً ثم اتجه إلى النجف الأشرف وافعل ما أقوله لك وبعد ستة أشهر كن بانتظاري في وادي السلام هناك، فقام السيد لتوّه وباع البيت وجمع الأثاث ثم تهيأ للسفر إلى النجف وفي اللحظة الأولى من دخوله المدينة الشريفة يرى الرجل ذاته عند طلوع الشمس في وادي السلام وكأنه خرج من بطن الأرض ليقف أمامه ويعطيه بعض التعليمات ثم يختفي، ويدخل العلّامة المدينة عاملاً بما يمليّه عليه ذلك النسّاج ليصل بعدها إلى درجة ومقام لا يمكن وصفهما رضوان الله تعالى وسلامه عليه. وكان السيد علي الشوشتري مراعاة للأحترام يحضر دروس الفقه والأصول للأنصاري الذي كان بدوره يحضر دروس السيد الأسبوعية في الأخلاق، وبعد وفاة الشيخ يتصدى السيد لإتمام الأبحاث التي أنتهى إليها الشيخ ولكن الأجل لم يمهله طويلاً فبعد ستة أشهر يلتحق بالرفيق الأعلى، خلال هذه المدة يكتب المرحوم الشوشتري ورقة إلى أحد تلامذة الشيخ الأنصاري البارزين المدعو الملا حسين قلي الهمداني الذي كان له مع السيد علاقة في أيام المرحوم الأنصاري وكان يستفيد من دروسه في الأخلاق والعرفان، وكان عازماً على التدريس وإتمام مباحث الشيخ التي كان يحررها بنفسه، وبهذه الورقة يذكره بأنّ نهجكم هذا ليس كاملاً وأنه ينبغي لهم الحصول على المقامات العالية إضافة إلى ذلك، غرضه من ذلك تغيير منهجه وإرشاده إلى طريق الحق والحقيقة، وتمّر الأيام ليكون المرحوم الآخوند حسين قلي الذي كان يستفيد قبل سنوات من وفاة العلّامة الأنصاري من محضر المرحوم السيد في المعارف الإلهيّة من أعاظم عصره وعجائب دهره في الأخلاق ومجاهدة النفس وكسب المعارف الإلهيّة وقد ربّى تلامذة عظاماً أصبح كل واحد منهم آية عظيمة و واحداً من أساطين المعرفة والتوحيد ومن أبرزهم المرحوم الميرزا جواد الملكي التبريزي والمرحوم السيد أحمد الكربلائي والمرحوم السيد محمد سعيد الحبوبي والمرحوم الشيخ محمد البهاري، ومن طلبة السيد أحمد الكربلائي الأستاذ الأعظم والعارف الأمثل الميرزا علي القاضي التبريزي، هذه هي سلسلة أساتذتنا التي تعود إلى المرحوم الشوشتري وأخيراً إلى الرجل النسّاج، فمن كان هذا الإنسان [يعني النسّاج] وبمن كان يتصل ومن أين كان يحصل على هذه المعارف وبأي وسيلة؟ لا نعلم شيئاً من ذلك. (5)

هذه هي بداية نشوء المدرسة العرفانية الموجودة في الوسط الشيعي الآن، فبدايتها نسّاج مجهول، ونهايتها هو السيد علي القاضي والذي منه تفرّعت مجموعة خطوط، منها الخط القمي. ومنها الخط النجفي الكربلائي. وتأتينا تفاصيل أكثر في المنشورات القادمة عن هذه الخطوط.

_______________
(1) في الوسط السنّي يسمونه (تصوّف) وأما الشيعة فلما كان هذا اللفظ عندهم ممقوت ومذموم لورود روايات كثيرة عن الأئمة في ذم التصوّف وفي لعن الـمتصوّفة وفي ذم ولعن الذين يتشبهون بهم ويسلكون مسالكهم استبدلوه بلفظ (العرفان)، فمصطلح العرفان هو في مقابل مصطلح التصوّف.
ويرى بعض الباحثين أن لفظ (العرفان) و (العارفين) و (العارف) مستعمل أيضاً في الوسط السنّي منذ القرن الثالث الهجري على لسان بايزيد البسطامي. [العرفان الشيعي ص11 تقرير دروس السيد كمال الحيدري بقلم خليل رزق]. 
بل يرى بعض الباحثين أن لا فرق حقيقة بين العرفان والتصوف إلاّ من جهة اللحاظ، فيقول : فأهل العرفان إذا ذكروا في معرض المعرفة دُعوا بالعرفاء، وإذا ذكروا في معرض أمر اجتماعي دُعوا بالمتصوفة. [الكلام والعرفان ص65 مرتضى مطهري]. 
(2) الميزان في تفسير القرآن ج6 ص192
(3) الفيض الكاشاني من تلامذة الملا صدرا الشيرازي، وقد عمد إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزّالي فشرحه وهذّبه مما لا يتناسب مع عقائد الشيعة.
(4) للسيد الخميني ارتباط بالمدرستين معاً، فهو قد أخذ عن مدرسة القاضي سعيد القمي بواسطة شيخه الشاه آبادي، وأخذ عن مدرسة الشيخ حسين قلي الهمداني بواسطه شيخه الآخر الميرزا جواد الملكي التبريزي. 
(5) رسالة لب اللباب في سير وسلوك أولي الألباب تقرير للدروس الأخلاقية والعرفانية للعلامة الطباطبائي بقلم السيد محمد حسين الطهراني ص142 وما بعدها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العرفان [4]

العرفان [5]

العرفان