العرفان
العرفان [1]
ما هو العرفان؟
العرفان حاجة من حاجات الإنسان الضرورية، فالإنسان كما يحتاج النوم والطعام والجنس ووو، فهو يحتاج العرفان. فواحدة من حاجاته هو النزوع الصوفي الذي هو الخروج نحو الفضائل والامور المعنوية لأنه يجد فراغ في قلبه، وهو مصطلح عالمي إنساني لا علاقة له بالديانات، ولذلك تجده حتى في الديانة الهندوسية في الهند وفي الديانة التاوية في الصين وأمثالهما بل وغيرهما ممن لا علاقة له بالدين أساساً كأهل الفنون (1)، ولكن من يلبي هذه الحاجة هي الاديان لان فيها الجانب المعنوي.
فعلى سبيل المثال ما موجود في الديانة الهندوسية، ما جاء في كتاب "نشيد المولى" الذي يقولون عنه بأنه حوار بين المعلم الإلهي كرشنا وتلميذه الأمير أرجنه (2) يقول فيه : "من يذكرني وحدي دون سواي ويجلني دوماً راسياً فيَّ أبداً أمدّه بالسعادة والأمان، الأتقياء الذين يقّربوّن بإيمان لآلهةً غيري فلي وحدي هم فعلاً يقربون، يابن كنتي - كنتي أم أرجنه وهي تعتبر من العائلة المقدسة - ولكن دون مراعاة للأصول، أنا وحدي رب كل القرابين ومتقبلها لكنهم لا يعرفونني على حقيقتي ولهذا يسقطونِ، عابدوا الآلهة إلى الآلهة يذهبون، وعابدوا أرواح الأسلاف إلى الأسلاف يذهبون، والمقربون إلى الكائنات إلى الكائنات يذهبون، أما الذين يقربون إليّ فإليّ حتماً يذهبون، من يقدّم لي حباً بيّ ورقة أو زهرة أو ثمرة أو ماءً أقبل من ذي القلب الورع تقدمته المخلصة، مهما تفعل أو تعطي أو تأكل أو تقرب من قرابين أو تمارس من تقشفات يابن كنتي فافعل ذلك تقدمة لي، هكذا تنعتق من قيود الأعمال ونتائجها الحسنة والسيئة وبنفس راسخة بالزهد اليوكي (3) تتحرر وتأتي إليّ،...، أنا في كل الكائنات سواء ما من بغيض لديّ أو عزيز لكن الذين يعبدوني بورع فهم فيَّ وأنا فيهم، حتى سيء السيرة إذا ما أحبني حباً غير مشرك فيحسب فاضلا لأنه نوى الصلاح وسرعان ما يتماشى مع الناموس ويبلغ السلام الأبدي ألا فاعلن يابن كنتي أن من أحبني لا يهلك أبدا، من يلذ بي يابن بردها - بردها أسم آخر لكنتي - وأن كان امرأة أو تاجرا أو عبدا وأن ولد حتى من رحم خاطئة يصل إلى الهدف الأسمى فكيف بالحري البراهمة الأطهار(4) والأمراء الرآة المتعبدون وقد بلغت هذه الدنيا الزائلة وعديمة الفرح، اعبدني، هب فكرك لي، كن محبيّ، وقرّب واسجد لي، وهكذا راسياً ذاتك فيّ، تصل إليَّ أنا الهدف الأسمى، أنا السرّ الأعظم".(5)
هذا مثال بسيط للتفكير الصوفي والنزعة الصوفية الموجودة في الديانة الهندوسية، تعمّدت ذكره لسببين: الأول : لاعتقادنا نحن المسلمين بأن الهندوس ليست ديانة سماوية، ومع ذلك فهذا النزوع موجود عندهم ولهم فيه باع طويل وطرق ورياضات خاصة. والثاني : للتدليل على أن هذا النزوع الصوفي ليس خاصاً بالمسلمين بل هو نزوع إنساني عام موجود عند كل ذي روح وقلب.
وهذا النصّ إذا تلاحظون فأن ما جاء به من تعليمات يشبه إلى حدٍّ كبير جداً ما موجود في التصوف عند السنّة وما موجود في العرفان عند الشيعة. وهذه نزعة موجودة عند كل الديانات بغض النظر عن كون هذه الديانة إلهيّة أو بشريّة.
مثال آخر من الديانة التاوية، والتاو يعني الصراط المستقيم. وهي أشهر الديانات في الصين مقارنة للكمفشيوسية لكنها ديانة عميقة جداً، عندها فلسفة ولها نزعة صوفية عميقة.
يقول في كتاب التاو : "الأسم الذي يمكن تسميته ليس هو الأسم الأبدي، غير المسمى هو مبتدءِ السماء والأرض، المسمى هو أم عشرة آلاف شيء، دائم اللارغبة - يعني المتصوف - يرى المحجوب، دائم الرغبة يرى المشهود، هذان الأثنان ينبثقان من أصل واحد ويظهر ذلك قبل الظلمة، هي المدخل لكل الخفيات". (6)
كذلك هذا النزوع موجود في القبالا عند اليهود والديانة اليهودية، بل أن النزوع الصوفي في القبالا من جهة عمقه لا يمكن أن يقاس به عمق التصوف عن المسلمين ولا بوجه من الوجوه، فأنه عميق جدا جدا.
ونفس الحال نجد هذا النزوع الصوفي عند قدماء اليونان أيضاً وبأسم الغنوص، وبعض فلاسفتهم سلك هذا المسلك وسار فيه، كأفلاطون مثلاً فأنه من أبرز الأسماء التي سلكت مسلك التصوف أو الغنوص كما يسمونه هم، وأسس لبعض النظريات الفلسفية بناءً على مسلكه الغنوصي هذا.
كذلك الحال تجده عند المسيح، فهم أيضاً عندهم هذا النزوع الصوفي وبوضوح جداً، ولكن ليس بالعمق الذي عند القبالا اليهودية.
بل أكثر من ذلك، حتى الإلحاد والفلسفة الإلحادية هي حالة نزوع من الداخل لكنها معكوسة، بدل أن يخرج من الداخل إلى الأعلى، خرج من الداخل إلى الأسفل. وحالات النزوع هذه ليس بالضرورة أن تكون سليمة أو سديدة، وإنما هي محاولة خروج من القوقعة البشرية، ولذلك نجد القرآن يأمرنا بأن لا نتبع (السبل) فالسبل موجودة، والنفس البشرية أمامها أبواب كثيرة، ولكن جاء الأمر الإلهي بعدم اتباع السبل؛ لأن اتباع هذه السبل يفرّقنا عن (سبيله) فافهم.
فالخلاصة بكلمة جامعة مختصرة : العرفان حاجة إنسانية لا علاقة لها بأي دين من الأديان، وهذه الحاجة لا يستطيع الإنسان أن يترجمها لأنها تبحث عن منطقة معنوية في الحياة، وهذه المنطقة الجهة الوحيدة التي توفرها للإنسان هي الديانات بغض النظر عن نوعها؛ لأنّ الديانات الإلهية والبشرية كلها تتحرك في المساحة المعنويّة والتي هي نقطة الإشتراك بين جميع الديانات.
___________________
(1) كالمدرسة التكعيبية التي بدأ بها بيكاسوا. فأرباب هذه المدرسة يقولون بأن الكائنات والموجودات جماليتها في باطنها، وهذه الجمالية الباطنية هي جمالية هندسية، فأنهم عندما يرسمون شيئاً يستخرجون جماليته الباطنية، ويعبّرون عنها بخطوط هندسية. وهي محاولة استخراج شيء من الداخل إلى الخارج (نزوع) نحو شيء.
وهكذا الحال مع المدرسة السرياليّة، فأن الفنان في هذه المدرسة يريد أن يخرج ما في باطنه بشيء غير منظبط. وهكذا الحال مع المدرسة البوهيميّة وغيرها الكثير من مدارس الفنون مع أنها لا علاقة لها لا بالأديان ولا غيرها وإنما هي مدارس فنون جميلة، ويعتقد هؤلاء الفنانين بأن شيئاً ما في باطن الإنسان جميل يجب أن يظهر إلى الخارج بطريقة وأخرى، لأنهم يعتقدون بأن الإنسان بأخراجه لهذه الأشياء الجميلة المكنونة في باطنه يخرج من قوقعته التي يتقوقع بها.
وهكذا الشعراء مثلاً، فأن الشاعر عندما ينظم الشعر فأنه يريد أن يخرج من قوقعته، تلك القوقعة التي يُعبّر عنها في كتب السير والسلوك بـ (الحُجُب) أو (الغواسق الظلمانيّة) وأمثالها من الاصطلاحات.
(2) في الديانة الهندوسية "كرشنا" هو التجسيد الإلهي - الذي نسميه نحن (التجلّي) - للمتحكم الكلي بهذا الوجود، ويسمونه "فشنو" ففشنو هو المتحكم بهذا الوجود، وكرشنا هو التجلّي الظاهر لفشنو.
(3) اليوكا ليست رياضة لتحسين شكل الجسد كما يتصور غالب الناس ممن لا اطلاع له على هذه الديانات، بل هي منظومة فكرية وفلسفية وعبادية في هذه الديانات. وهي أقسام وأنواع كالكارمه يوكا والبهاتيه يوكا والجنانه يوكا والراجه يوكا، وهذه هي المسالك
في الديانة الهندوسية.
(4) البراهمة في اصطلاحهم هم أصحاب المراتب العالية في الحكمة والعلم واليقين.
(5) نشيد المولى/ الفصل التاسع/ السر الأعظم.
(6) التاو ص17
________________
تم نشره من قبل وارث ميرزاده على صفحته في الفيسبوك
تعليقات
إرسال تعليق